الأخبارسياسة

اتهامات لمسلحيين مواليين للسلطة بمنع فرار المدنيين بعد اقتتال قبلي غربي السودان

نسيمة النذير
الخرطوم ـ «القدس العربي»: ارتفع عدد ضحايا موجة العنف القبلي الأخيرة في إقليم دارفور غربي السودان، إلى 15 قتيلاً، و42 مصابا، فضلا عن حرق 12 قرية، حسب ما قال المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، أدم رجال لـ«القدس العربي» متهماً مجموعات مسلحة تابعة للسلطات السودانية، بإغلاق الطرق التي يحاول الناجون الفرار عبرها، وشروع منسوبي تلك المجموعات في أعمال نهب للنازحين، الأمر الذي أدى إلى وجود عالقين في المناطق المتأثرة بالنزاع.
ودعا إلى تحركات سريعة لإغاثة النازحين الذين فروا إلى المعسكرات القريبة ومباني المؤسسات والمدارس في مدينة نيالا، عاصمة ولاية النيل الأزرق، في ظل أوضاع إنسانية دقيقة وظروف فصل الشتاء وانعدام الأغطية والغذاء.
ومنذ أواخر الأسبوع الماضي، تشهد مناطق شرق مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور توترات أمنية، لكنها تطورت يوم الجمعة الماضي، إلى هجمات مسلحة طالت عدداً من القرى.
ومع أن مقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي أظهرت مسلحين يرتدون زيا عسكريا، على متن سيارات دفع رباعي بها أسلحة ثقيلة، إلا أن السلطات لم توجه اتهامات رسمية إلى أي جهة، في وقت أرسلت تعزيزات عسكرية إلى تلك المناطق.
وتحدث رجال عن مشاركة قوات الدعم السريع في الهجوم، معتبرا ذلك مؤشراً على أن الدولة السودانية تحارب مواطنيها، وأنها متورطة في صراعات تتعلق بالموارد وأعمال التهجير القسري للمواطنين في الإقليم.
يأتي ذلك في وقت أعلنت فيه سلطات ولاية جنوب دارفور، القبض على مجموعات مسلحة متورطة في الهجمات الدامية التي طالت المدنيين في قرى شرق مدينة نيالا، مشيرة إلى أن من بين القتلى عسكريا يتبع لقوات الدعم السريع، وآخر لقوات الشرطة.
وكانت حكومة ولاية جنوب دارفور منحت القوات الأمنية والعسكرية تفويضاً باتخاذ كافة التدابير لحسم التفلتات الأمنية، وفق بيان رسمي، قبل أن تعلن فرض حالة الطوارئ في الولاية وحظر تجوال في محلية بليل، شرقي مدينة نيالا.
وقال مدير شرطة ولاية جنوب دارفور، محمد أحمد ود الزين، في تصريحات صحافية، إنه تم ضبط دراجتين ناريتين وسيارتين فيهما مسلحون، مشيراً إلى أنه تم تحويلهم إلى قسم شرطة منطقة بليل، معرباً عن اعتقاده بأنهم جزء من الأحداث.
وأوضح أن 7 قرى طالها التخريب كما تعرضت منازل المواطنين للحرق والنهب.
وأشار إلى صدور توجيهات للقوة المشتركة التي تم الدفع بها لتأمين المدنيين للتعامل بحسم مع المجموعات المتفلتة، مع التوجيه بتعزيز الوجود الشرطي والنيابة العامة، بفتح بلاغات جنائية في مواجهة المتورطين في الأحداث.
ويتهم مواطنون فارون من مناطق النزاع قوات الدعم السريع التي يقودها نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو (حميدتي) بالتورط في الهجمات التي طالت قرى محلية في بليل.
وأعلن والي ولاية جنوب دارفور، حامد التجاني هنون، إرسال أكثر من 50 مركبة عسكرية و400 عنصر من الشرطة والجيش وجهاز المخابرات والدعم السريع لتولي مسؤولية إعادة الأمن والاستقرار في تلك القرى.
وأكد، في تصريحات صحافية، أن لجنة أمن الولاية قادرة على بسط الأمن وحماية المواطنين، قبل أن يوجه مفوضية العون الإنساني وكافة المنظمات بضرورة إرسال مساعدات عاجلة للمتأثرين من هذه الأحداث.
في الأثناء أدانت حركة جيش تحرير السودان، بقيادة عبد الواحد محمد نور، أعمال العنف.
وقالت، في بيان: «تجري في مناطق شرق بليل انتهاكات وجرائم واسعة النطاق من قبل الميليشيات الحكومية بحق المواطنين العزل في تلك المناطق».
وأكد بيان الحركة أن ذلك يأتي «في ظل صمت المجتمع الدولي والحكومة الانقلابية بمستوياتها الاتحادية والإقليمية والولائية» منددا بما وصفه بصمت المجتمع الدولي عن القيام برد فعل حيال ما يجري من جرائم وانتهاكات وتقاعسه في القيام بواجباته الإنسانية والأخلاقية في حماية المدنيين العزل».
وأضاف: «ظللنا نؤكد بأن السلام الشامل والعادل والمستدام لن يتحقق عبر الاتفاقيات الثنائية والتسويات الجزئية التي تخاطب قضايا الأشخاص والتنظيمات وليس قضايا الوطن ودوّنا عشرات الاتفاقيات الفاشلة التي تم توقيعها فعقّدت الأزمة ولم تجلب حلولاً لأن السلام الحقيقي يأتي عبر مخاطبة جذور الأزمة التاريخية ويبدأ بتوفير الأمن على الأرض ووقف شامل لإطلاق النار ونزع السلاح من أيدي الميليشيات والقبائل».
ولفت إلى أن «استمرار الجرائم والانتهاكات الفظيعة التي تُرتكب يومياً بحق المدنيين العزّل في دارفور ومناطق أخرى في السودان نابع عن تقاعس المجتمع الدولي في محاكمة المجرمين المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية واختزال أطراف سلام جوبا قضايا الشعب والعدالة في الامتيازات الشخصية ومقايضة مبدأ تحقيق العدالة بالمناصب».

جرائم «مستمرة»

وأشار إلى أن «أطراف اتفاق السلام الموقع في أكتوبر/ تشرين الأول 2020 وافقوا على سحب البعثة العسكرية المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور (اليوناميد) دون أن تكون هنالك قوات حقيقية لحماية المواطنين وتركوا الأمر للقوات والميليشيات الحكومية التي ارتكبت بجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية بحق مواطني دارفور» مؤكدا أن «الجرائم لا تزال مستمرة»
وطالبت المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، للاضطلاع بدورهم في حماية النازحين واللاجئين، وجميع مواطني الإقليم والعمل على تطبيق القرارات الخاصة بالوضع في السودان وتنفيذ المعاهدات والاتفاقات الدولية.
وحذرت، في بيان، جميع الجهات ذات الصلة بالشأن السوداني، من مغبة تجاهل نداءات ضحايا الحرب، فيما يلي الحماية وتطبيق العدالة والإنصاف والإغاثة الإنسانية.
واعتبرت «هذه الانتهاكات امتداداً لمسلسل جرائم القتل والاغتصاب والاختطاف والسلب والنهب والحرق والتشريد والتهجير القسري» لافتة إلى أن هذه اﻻنتهاكات «تجري على مرأى ومسمع القوات الأمنية السودانية، التي تتمركز بالقرب من مناطق الأحداث، لكنها لم تتحرك لوقف هذه الجرائم البشعة».
وأشارت إلى أن الأوضاع الأمنية في دارفور «لا تزال تشكل خطراً دائماً على حياة جميع النازحين والمواطنين، وتنذر بوقوع كارثة إنسانية، لا يُحمد عُقباها».

15 قتيلاً و42 مصابا وإحراق 12 قرية… ومسؤول حقوقي تحدث عن تورط «الدعم السريع»

وحسب المنسقية فإن «هناك آلاف الأسر وصلت إلى مبان محلية بليل، ومعسكر دريج للنازحين حيث تم إيواؤهم في المدارس، وبعض العائلات توزعت مع أقاربها في معسكر كلمة للنازحين، فيما لا يزال آخرون عالقين، بسبب خطورة الطرق وانتشار الميليشيات في الشوارع المؤدية إلى نيالا وبليل».

مطالبة بتحقيق

كذلك تابعت المفوضية القومية لحقوق الإنسان «بأسف وقلق بالغين» أحداث العنف نتيجة صراع بين مجموعات من الرعاة والمزارعين، وأدت الى سقوط قتلى وجرحى» قبل أن ترحب «بالتدابير التي اتخذتها لجنة أمن الولاية».
وطالبت بالتحقيق المستقل والشفاف وتقديم كل من يثبت تورطه في أعمال العنف إلى محكمة عادلة، داعية السلطات إلى تعويض وجبر ضرر الأهالي عن الخسائر التي لحقت بهم في أسرع وقت، وبالأخص ضمان الحق في السكن اللائق والغذاء والمياه الصالحة للشرب.
كما طالبت السلطات باتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة للوقاية من مثل هذه الحوادث.
إلى ذلك، أدان حزب التحالف الوطني السوداني، في جنوب دارفور، بأشد العبارات أحداث القتل والحرق التي وقعت بعدد من القرى في جنوب دارفور.
وقال في بيان: «هذا الحادث يعيد للأذهان سلسلة من الأحداث المرتبطة بالإبادة الجماعية والتهجير القسري التي وقعت في عهد قريب مما يدعونا لتحميل الجهات الحكومية كامل المسؤولية لعدم وضعها خطة استراتيجية لحفظ أمن المواطن والشروع في جمع السلاح ومكافحة ظاهرة التمليش القبلي».
ودعا «كافة المنظمات الإنسانية والحقوقية لمد يد العون للمتأثرين بتلك الأحداث، كما دعا الجهات العدلية لسد منافذ الإفلات من العقاب وذلك بالشروع فوراً في مباشرة الإجراءات القانونية والقبض على الجناة وتقديمهم للمحاكمة».
وفي 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، وقعت مجموعة من التنظيمات المسلحة والمجموعات المعارضة، بينها عدد من حركات دارفور، اتفاق سلام مع الحكومة الانتقالية، رفضت الانضمام إليه حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو.
وفي نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2020 أنهت بعثة «يوناميد» الخاصة بحماية المدنيين، ولايتها في دارفور والتي استمرت لـ13 عاما، وذلك على خلفية توقيع اتفاق السلام، ووجود حكومة انتقالية وقتها بقيادة مدنية، إلا أن القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان نفذ انقلابا عسكريا في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
وعلى الرغم من استمرار الشراكة بين العسكر والحركات المسلحة بعد الانقلاب، إلا أن الصراع في دارفور ظل يتجدد ويتفاقم بشكل أكبر. وبرر بعض قادة الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق السلام، استمرار الشراكة بينهم وبين العسكر بعد استيلاء الجيش على السلطة بالحفاظ على استقرار إقليم دارفور.
وحسب المنسقية العامة للنازحين واللاجئين قتل منذ انقلاب الجيش على الحكومة الانتقالية، نحو 1000 شخص في نزاعات مسلحة في دارفور. وتتهم المنسقية مجموعات مسلحة موالية للسلطات السودانية بالمشاركة في النزاعات القبلية وتنفيذ أعمال نهب وقتل في أنحاء دارفور.

نزاعات قديمة

وأشار المحلل السياسي، حافظ كبير، في تصريح لـ«القدس العربي» إلى «وجود نزاعات قبلية قديمة في دارفور، بسبب الصراع حول الأراضي والحواكير بين المزارعين والرعاة» مشيرا إلى أن «طبقة كاملة من الرعاة إبان الحرب دخلت في العمل العسكري ضمن قوات حرس الحدود والدعم السريع، الأمر الذي ساهم في تغيير معادلة الصراع، حيث تفوقت مجموعات قبلية على أخرى والتي اضطرت للنزوح من أراضيهم بينما تمددت فيها مكونات جديدة موالية للسلطة، استولت على مناطق استراتيجية».
وزاد: «كان من المتوقع بعد توقيع اتفاق السلام أن تعود للمجموعات التي هجرت من مناطقها، ممتلكاتها وأراضيها» مشيرا إلى أن «اتفاق السلام نص على ذلك، وعلى تحقيق العدالة، الأمر الذي لم تتوفر الإرادة الكافية من أطراف الاتفاق لتحقيقه حتى الآن». ورأى أن «السكان المحليين في دارفور ينظرون لاتفاق السلام كاتفاق تسوية فوقي بين جنرالات حرب في لحظة تاريخية اتفقوا خلالها على الاستحواذ على السلطة بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير».
ولفت إلى أن «الحركات المسلحة بعد توقيع الاتفاق وعودتها لدارفور فتحت الباب للتجنيد، فضلاً عن عودة جنودها من ليبيا، في وقت شهد الإقليم موجة تسليح واسعة». وأشار إلى أن «أطراف النزاع في دارفور مجموعات مسلحة ذات طابع قبلي لديها ارتباط بالحكومة بشكل او بآخر ويمثلون جزءا من السلطة الحالية ومؤسساتها».
وفي ظل غياب مظاهر العدالة وفقدان الثقة في مؤسسة الدولة، تتجدد النزاعات حسب كبير، لجهة لجوء بعض المجموعات إلى أعمال الثأر، الأمر الذي يتورط فيه عادة الجنود وفق انتماءاتهم القبلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى