أعمدة رأي

حلاوة المولد : الضواقة بالنظر

*هشام الكندي*

حين كان اهل السودان أخلاقا وقيمآ يتحلون بسماحة الدين حياة ومعاملة رغم إنفتاح ثقافة الأمس بالمقاهي وبارات الإغريق و (التوتوكورة) ومالله لله ومالقيصر لقيصر ، فالحياة تسير بكل حب وإنسجام بين التراحم والإثار لاشخص يجرؤ على المال العام حتى إن كان رئيسا للدولة أو مسؤلآ عن خزانة بيت المال ، فهاهو الرئيس الزعيم إسماعيل الأزهري الذي رفع علم إستقلالنا المجيد يوجه سائق عربتة بالتوجة لأحد المقاهي بالعاصمة وعند الوصول ينادى على صاحب المقهى فحضر مسرعآ لسيادة الزعيم الذي همس له بأنه يريد سلفية منة بمبلغ ثلاثون جنية فإعتذر له بأنه لا يملكها ورغم عن ذلك سألة ماذا تريد بهذا المبلغ فرد الأزهري لبعض الأغراض فرحل عن الدنيا وعلية (كنبيالة) شيك بمبلغ لم يحن وقت السداد حينها ، وهاهو الرئيس القائد جعفر النميري يمضئ إلى الله وليس له من الدنيا سوى بيت الورثة بضاحية ود نوباوي ، فالناس رغم بساطة الحياة عاشوا بفهم الدين المعاملة (فالناس رغم بساطتهم أخلاقهم أغلى من الذهب) .

( وزها ميدان عبدالمنعم ذلك المحسن حياه ألغمام بجموع تلتقي في موسم والخيام قد تبرجن و َاعلن الهيام ) فعبدالمنعم أمير المحسنين يزهو ميدانة إحتفالآ بمولد نور الخلق علية افضل الصلاة والسلام فيضئ المكان بنور زكرى ضيائه ويطرب الزمان والمكان فيغرق
الزهاد في حبه ومدحه يأتون من كل فج عميق ويترجمها محمد المهدي المجذَوب في ليلة المولد يا سر الليالي ويسكرها كابلي بين طبلها و طارها ونوبتها ، غارقون في هيام الحبيب بالجبة المرقعة ( يضربون النوبه ضربا فتئن وترن ثم ترقص هديرا أو تجن) ووسط روح الغرقانين حين يجئ خيطهم (حين ينادي منشد شيخهم هو التمساح يحمي عرشه المضفور من موج الدميرة) وسط هذا الفيض الروحي المحمدي كان اهل السودان تنتظم خطواتهم لحضورها في كل عام ، وبين تلك النوبه والفرحة تكون حلاوة المولد الكريم حاضرة بلذيذ الطعم وجميل الشكل يأخذها الحضور لتقدم للأطفال وآل البيت والأهل والأحباب وتوزع كهدية قيمة في حب المصطفى علية افضل السلام بالداخل والخارج.

وأهل السودان يحتفون بالمولد الكريم كل عام يتزكرون عظيم حياة اشرف الخلق الكريم ، والسنة أتت على غير سابق السنوات حين الخير والرخاء وانت بصحبة جميل الأطفال يشتري الوالد لهم العروس والحصان ويشتري مالذا وطاب منها للأهل والأحباب ، يتفاجأ الناس هذا العام ان يصبح سعر الكيلو منها قرابة الخمس الف جنية بالله تخيل ان سعرها هكذا حلاوة سودانية المنشأ لم تورد من اليابان والمانيا فإكتفى الناس بشراء الكيلو والاثنين فقط والمغلبون على أمرهم اكتفوا بالضواقة بالنظر أسوة بنظرية الدفاع بالنظر ، فضائقة المعيشة التي ضربت العمارات السوامق إلى أن يسكنها جبريل والرواكيب الصغيرة جعل الأسر لم تضع حلوى العيد ضمن اجندتها فعيشة الخمسين والسكر واللبن والتعليم والسكن اهم اولوياتها فطال إنتظار طالع الشجرة وضوء اخر النفق املآ بعودة خلافة عدل سيدنا عمر بعد خيبة عدل الحكم الوطني وحكم السفارات .

وعثرة سنوات الإنحطاط آثرت ان يكون إحتفال العام ضربآ جديدآ للإنفتاح بين الرقص و(الزنق) فعفوا شيخي المجذَوب لم يبقى الشيخ التمساح يدافع عن عرشه المضفور ولم نجد ذلك الشيخ الفقير الغريق بالجلباب الأخضر المرقع يضرب النوبه ضربا فتئن وترن وجدنا تلك الأوجه الممسوخة بعبير الكريمات لا بالتقوى يتمايلون بصدَورهم كأنهم على أنغام هابط الغناء ، فإيثار منعم أمير وقف المحسنين لم نجده ولم نجد مجد سيدنا محمد البشير المبين فلم نرى من طرق باب المتعففين ليلا يفرح أطفالهم بحلوى المولد الكريم ولم نرى منظمات المجتمع المدني تفرحهم ولم نرى مؤسسات التجارة ضمن مسؤليتها المجتمعية تفرحهم وحتى مؤسسات الدولة الإجتماعية بالزكاة لمن تفرحهم ، فإن كان منعم أمير المحسنين حيآ حيا قبرة الغمام لكان من الإيثار ان يضوق المتعففين طعم حلاوة العيد فالدين دين حياة ومعاملة لا دين سياسة وخطب مساجد وحين سألت السيدة عائشة رضي الله عنها عن أشرف الخلق علية افضل السلام قالت (كان خلقة القرآن) .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى