أعمدة رأي

سعد محمد أحمد يكتب .. قراءة فى مآلات الهيمنة الإقتصادية

شهد العالم فى الفترة التى سبقت الحرب العالمية الثانية حروب وصراعات بين الدول أدت إلى إستعمار دول فرضت نفسها بالقوة فى اطار الصراع حول الهيمنة وصراع الموارد الذى يعنى فى المقام الأول انها صراع اقتصادى وبعد تحول كل المستعمرات السابقة إلى دولة وطنية مستقلة بقرار ودعم من المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية تكفلت العواصم الاستعمارية السابقة للدول المستقلة بعد الحرب العالمية الثانية بتوفير الدعم للكثير من هذه الدول وصولا إلى دفع رواتب للإدارات الحكومية التى اقامتها فى اطار استعمار ناعم اي ان التوافق الدولى اعطي صفة قانونية للوجود كدولة لكل هذه الكيانات ولو انها لم تتمكن من استيفاء الشروط الفعلية لهذا التحول وهو ما برر تسميتها بــ «اشباه دول» ولقد كان النظام الدولى ولا يزال هو الذى يؤمن بقاء هذه الدول الضعيفة.
وخلال الحرب الباردة اعطى الاطار الدولى للنخب الحاكمة من ادارات الدول المستقلة هذه امتيازاً إضافيا هو حاجة الدول العظمى اليها للتصويت فى اروقة الامم المتحدة ولقد تابعت القوي العظمى دعمها لهذه الدول لكي لا تنتقل إلى المعسكر المضاد وفى الوقت نفسه كانت النخب فى الدول الجديدة انها شديدة الحرص على السيادة وذلك بمعنى الحفاظ على علاقة جيدة مع المجتمع الدولى واستخدام الصفة القانونية للدولة لضمان تحكمها بشعوبها بلا خوف من تدخل الخارج ومن هنا كانت حقبة السبعينات التى شهدت مبادرات جماعية من قبل دول العالم الثالث للارتقاء إلى مستوى أعلى فى ممارسة السيادة.
لكن حقبة الثمانينات من القرن الماضي شهدت بدء سيرورة معاكسة عنوانها تراجع سيادة دول العالم الثالث بل وانهيارها بالكامل تحت الضغط الاقتصادى باستعمار ناعم من قبل الدول الامبريالية وقد إستخدمت الدول الغربية الرساميل النفطية التى تم تدويرها عام 1973 لاقراض واستدانة الكثير من هذه الدول وتبين مع ارتفاع الفوائد فى مطلع الثامنينات ان اكثريتها الساحقة كانت غير قادرة على الايفاء بديونها وهي ما اجبرها على الالتجاء إلى المؤسسات الدولية اي صندوق النقد الدولى والبنك الدولى للاقتراض منها.
ووضع الصندوق شروطا للاستفادة من قروضه هي تحرير سعر صرف العملة اي خفضها بشكل كبير وازالة العوائق عن الاستيراد وخفض حجم القطاع العام اي ان مديونية العالم الثالث شكلت المدخل لضرب سيادتها وصولا إلى جعل الادارة الاقتصادية لهذه البلدان فىعهدة الخارج وهنا بدأت الدولة الاستعمارية التحكم الزكى علي دول العالم الثالث وقد وضع قدرة الدولة على تحديد سعر صرف العملة الوطنية فى رأس قائمة العناصر المحددة للسيادة فهذا السعر هو الذى يعين القدرة على الاستيراد من الخارج وخفضه يعنى ضرب مقدرة البلد المعني على الاستيراد ودفعه إلى حالة من التقشف الشديد بل قد يتسبب فى حالات معينة بافتعال مجاعة ونعطي هنا مثالا للدول الفرانكفونية «14 دولة» تبنتها فرنسا خلال الفترة من 1948 – 1994 محمية من انهيارات وتخلت عنها بعد ما سرقت مواردها وعن تثبيت سعر الصرف لان مهمتها انتهت وقد اخلت فرنسا الساحة لصندوق النقد الدولى والبنك الدولى لفرض برامجها على هذه الدول بعد ما تراجعت كفاءتها الاقتصادية وزادت مديونيتها ليقف رؤساء الدول الفرانكفونية مشدوهين ومشلولين أمام انسحاب فرنسا من تثبيت سعر صرف عمتلهم وفرض هذا الانسحاب واقعا جديداً على هذه الدول هو التقشف الاقتصادى وتراجع النمو وتردى الاوضاع الحياتية من دون توقف.
واظهرت برامج التصحيح الهيكلي التى فرضت على بلدان افريقيا دور سعر الصرف في هذه البرامج ويمكن اختصارها في نقاط منها سعر صرف العملة الذي هو الاجراء الاكثر فعالية والاسهل فى التطبيق ويمكن الوصول اليه من خلال المفاوضات مع الصندوق مقابل دعم يوفره ويمكن الوصول اليه من خلال افتعال ازمة مالية تجعله امراً واقعا ولان خفض سعر صرف العملة كان الاهم فى هذا البرنامج تسمت سياسات «تصحيح هيكلة» وثم خفض تدخل الدولة بخصخصة الشركات الحكومية الرئيسية وخفض الانفاق العام فى ضرورات المواطن مثال الخدمات العامة من تعليم وصحة وضمان اجتماعي كل هذه تقود إلى اجراء تغييرات جذرية تحرم الدولة من مداخيلها السابقة تحت عنوان «تشوهات الاسعار» ومن ذلك الغاء الرسوم الجمركية على الصادرات وحل الادارات الحكومية التى تحتكر شراء الانتاج الزراعي المحلي وتتولى تصديره والغاء الرسوم الجمركية على الواردات التى كانت تحمى قطاعات بعينها اردنا بهذه القراءة السريعة المختصرة وضع المقاربات بصورة مبسطة للمواطن والحكومة الانتقالية وطاقمها الاقتصادى التي تبشر بين حين وآخر المواطن وتحتفل بمساراتها مع صندوق النقد الدولى والبنك الدولى فى غياب مالات روشتة صندوق النقد الدولى لدى المواطن التى ظهرت بوادرها من جوع وفقر ورهن للمستقبل.
تدخل الدول فى المسار الذى يرسمه له صندوق النقد الدولى باستئناف عمليات الاستدانة من الاسواق العالمية هذه هي الآلية المعروفة التعامل مع صندوق النقد الدولى فهو يفرض على الدول اعادة هيكلة بنيوية تتيح لها اعادة الديون للصندوق والنفاذ للاسواق الدولية للاستدانة لكن العلاقة مع الصندوق اكثر تعقيداً فاعادة الهيكلة تشمل «بيع الذات» اي ان الاتفاق بين السودان وصندوق النقد فى اطار برامج يتضمن شروطاً معينة يفترض ان يهدف الاتفاق إلى «تحسين» بعض المؤشرات مثل نمو الناتج المحلى وخفض العجز فى الحساب الجارى وفى مقابل هذه الاهداف يضفى الاتفاق مع الصندوق نوعا من الغضاء للسودان فى الاسواق المالية إذ يحسن تصنيفها الائتماني بشكل يحوله العودة إلى الاقتراض من هذه الاسواق إذا كان الهدف الاول والاخير من الاتفاق هو الاستدانة وهذا الامر ليس حصرياً على الحالة السودانية فحسب بل ينطبق على اي بلد اضطر إلى المضي في إتفاق مع الصندوق لتطبيق شروطا قاسيا مثل رفع الدعم وتحرير سعر الصرف واتباع سياسات مالية تقشفية.
الاتفاق مع الصندوق تشكل عودة للسودان إلى الاسواق المالية وتحسن تصنيفه الائتماني بشكل فوري بعد عقد الاتفاق مع الصندوق وحتى قبل ان تبدأ نتائج تطبيق شروط البرنامج بالظهور الاشكال والتساؤلات فى القروض إلى أن مشاريع توجه والعائد منها ونسبة الفوائد والخوف الا توجه للقطاعات الانتاجية وتوجه للقطاعات الريعية رغم قساوة الشروط مع فرض عدم الحماية للمنتجات المحلية واضعاف قدرة السودان التنافسية لمنتجاته خاصة الزراعية فى الاسواق الاقليمية والعالمية وحتى المحلية باستيراد سلع متوفرة ويمكن انتاجها محلياً والاكتفاء منها محليا خاصة فى المجال الزراعي.
المعضلة التى تواجه السودان فى ظل الاتفاقيات الدولية مع المؤسسات العالمية اثر التضخم على ميزانيات المؤسسات العامة والخاصة الذى يتطلب تسعير الاصول والالتزامات المتداخلة وهل تصلح القيم الحالية لقياس المركز المالي الصحيح والعادل للمؤسسات الاقتصادية هو تتوافر ظروف وشروط اعادة تقدير وتخمين الاصول؟.
المحور الاساسي يكمن فى اعادة تخمين الاصول فمهما كان شكل المؤسسة الاقتصادية مؤسسة فردية شركة افراد شركة مساهمة شركة محدودة المسؤولية!! يترتب عليها أن تصدر بيانات تعكس بامانة أوضاعها المالية ومؤشرات الاداء والكفاءة الربحية والانتاجية أبرز هذه البيانات هو بيان المركز المالي الذى يتضمن عناصر الموجودات والمطلوبات والرساميل الخاصة بالاضافة إلى حسابات الارباح والخسائر.
على ضوء ما يفسر وضعية المؤسسات الاقتصادية السودانية هو المؤشر الحقيقي للتعامل مع الاسواق العالمية وعملية الصيرفة مع المجتمع الدولي والمقاصة الدولية لانفاذ شروط صندوق النقد الدولي والإندماج في الإقتصاد العالمي.

الخرطوم 13يوليو2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى