تحقيقات

سوداني عائد من سجون (داعش) بـ(سرت) يروي لـ(رسال نيوز ) تفاصيل مشاهد مُرعبة

تحقيق ـ نبيل صالح
بعد أكثر من (30) عاماً عاد المواطن السوداني (محمد أحمد عثمان فرج الله) الشهير بـ(مدودة) من الجماهيرية العربية الليبية، مثقل بذكريات الغربة المريرة وهول ما عاشه من ظروف بائسة تارة ومرعبة تارة أخرى .. فالرجل الذي آثر البقاء في الدولة المشتعلة عقب سقوط نظام القذافي رغم الفوضى الأمنية والموت المجاني في شوارع المدن الليبية من العام 2011م لم يعش ما عاشه من رعب في سجون داعش لـ(8) أيام في العام 2016م ومشاهد الإعدامات المرعبة في مدينة (سرت) الليبية معقل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لأسباب تافهة كما قال .. وشهد الرجل حكماً بالإعدام على أشخاص تهمهم لا ترتقي لدرجة الإعدام لا في القوانين الوضعية ولا الشريعة الإسلامية .. ومن بينها إعدام (9) سيدات بتهمة ممارستهن لـ(الودع) وهذا في عُرف داعش شرك بالله ينبغي إعدام مرتكبيه .. وأعدمت داعش مواطنين من جنسيات أجنبية من غير المسلمين بحجة أنهم كفار ولا ينبغي أن يعيشوا
جريمة التدخين
يروي (مدَودة)، كما يحلو لأصدقائه وأهله مناداته تفاصيل اعتقاله في سجون داعش قائلاً: “في أحد أيام صيف مدينة (سرت) القائظ كنت أسير في الشارع وفي يدي سيجارة أدخنها، وفجأة وجدت نفسي محاطاً بأشخاص مفتولي العضلات طوال البنية ملتحين يحملون رشاشات ويلتقطوني التقاطاً من الأرض، وكأني طفل صغير وألقوا بي داخل سيارتهم الجيب التي انطلقت إلى مكان فسيح بالقرب من البحر الأبيض المتوسط تتناثر في شاطئه صناديق حديدية كبيرة يسع الصندوق لشخص واحد فقط.. وحتى تلك اللحظة لم أكن أعرف الجُرم الذي ارتكبته، ولكن سرعان ما أدركت بأنني هنا في هذا الهجير بسبب سيجارة!!”.. هنا شرد بذهنه طويلاً وكأنه يستعيد شريط تلك الحادثة وأردف ضاحكاً “التدخين بالنسبة لهؤلاء خروج عن الملة يستدعي الاستتابة أمام قضاة غلاظ شداد كما عرفت لاحقاً”.
سجن معدني
قرَّرت سلطات داعش سجنه إلى حين مثوله أمام المحكمة في صندوق معدني لا يسع لأكثر من شخص، مكث فيه (مدًوده) ثمانية أيام بداخله لم ير الشمس خلاله وإن كان يتلظى بحرارتها داخل الصندوق المعدني والذي كاد أن يشوي جلده، ولم يكن به سوى (ثُقب) محيطه نحو (10) سم خصص لقضاء الحاجة في أسفل الصندوق.. هنا يحكي (مدودة) ما حدث له داخل سجنه المعدني الصغير بقوله:
“مكثت في هذا الصندوق دون أن يفتحه لي أحد ولم أكن أرى شيئاً سوى الطعام الذي كانوا يمدونه لي وهو عبارة عن قطعة خبز جافة واحدة في الوجبة مع زجاجة ماء صغيرة، وبما أن المكان ليس واسعاً كنت أتناول قطعة صغيرة من الخبز حتى أتفادى الدخول إلى المرحاض غير الموجود داخل السجن المعدني اللهم سوى الثقب الصغير الذي ذكرته لك، فقط كنت أشرب الماء فخروج الماء سهل.. إلى جانب ذلك كانت حرارة المعدن تلهب جسدي المتهالك والمنهار أٍساساً.. ومكثت داخل الصندوق على هذا النحو ثمانية أيام بلياليها مرت وكأنها (8) سنوات، بعدها فتحوا غطاء الصندوق الذي تحول لسجن وأخروجني لأمتثل أمام القضاء، وسحبوني من داخله بطريقة مهينة وكأني خروف يقاد لمصيره المحتوم (الذبح).. وقتها لم تقوَ رجلي على الوقوف حيث أنني طيلة الثمانية أيام التي قضيتها مسجوناً داخل الصندوق المعدني لم أكن أستطيع مد رجلي الاثنين، فتصلبتا جراء ذلك ولذلك جروني كالخروف على الأرض الساخنة إلى قاعة المحكمة التي يجلس عليها أربعة قضاة غلاظ، وأشك أنهم قضاة أصلاً لأن ألفاظهم وهيئتهم كهيئة (الدواعش) تماماً.. ومن جراء عدم الوقوف داخل السجن الصندوقي تأثرت ركبي الاثنين وحتى هذه اللحظة أعاني من آلام حادة ولا أستطيع السير لوحدي، إلا إذا سندني أحد الأشخاص”.. ويمضي قائلاً سارداً هذه الوقائع الغريبة بقوله:
“عرفت لاحقاً أن القضاة الذين امتثلت أمامهم أربعة قضاة: سوداني، ومصري، وسنغالي، ويمني، وتلوا صحيفة جريمتي وقال لي أحدهم: “أنت متهم بتعاطي السجائر، فهل هذا صحيح؟”.. أجبت: (نعم) .. فقال: “أنت متهم بالخروج من الملة وتعاطي التدخين ولهذا ينبغي أن نستتيبك وتقسم في القرآن بأنك لن تقترب مرة أخرى من التدخين”.. وأتوا إلي بمصحف فوضعت يدي على المصحف وأقسمت بأنني لست مذنباً في جريمة تتنافى مع الشريعة أو الإسلام.. فنهرني أحد القضاة بحدة قائلاً: “أنت مدان بتدخين السيجارة التي يحرمها الإسلام فعليك إعلان توبتك من التدخين يا سوداني”.. وفي الأثناء تدخل القاضي المصري وقال لهم: ” تجاوز الـ(60) عاماً، ولم يتبق له من العمر إلا قليلاً.. فأتركوه لحاله”.. وطلبوا مني عدم التدخين مرة أخرى، وحذروني من ذلك وإلا سيكون الإعدام مصيري وأطلقوا سراحي.
ويقول بأن هناك الكثير من السجناء بذات التهمة وتهم أخرى بالكفر والخروج من الملة رغم أن هؤلاء لم يمارسوا شيئاً يتنافى مع الإسلام، ولا يرتقي للشرك أو الكفر.. وتابع: “عشت في ليبيا قبل دخول (داعش) أكثر من (25) عاماً ولم أر كنيسة أو معبداً لغير المسلمين والمجتمع الليبي يتسم بالالتزام الصارم بتعاليم الإسلام سواء على مستوى المظهر أو الممارسة، إلا أن هؤلاء (الدواعش) جاءوا إلى مدينة (سرت) ومارسوا بطشاً وقتلاً بتهمة بأن كل من لا ينتمي لملتهم كفار وينبغي أن يعودوا إلى الدين.. صدقني أخلاق وممارسة وأفعال هؤلاء (الدواعش) لا علاقة لها بالإسلام أو أي دين سماوي”.
جرائم داعش
وحسب ما أفصح به (فرج الله) لـ(رسال نيوز )، مارست داعش جرائم في الأجانب والمواطنين لا تقرها عقيدة، ولا دين سماوي، ولا ينتمي للإنسانية.. ويقول إن (90) في المائة من المواطنين الليبيين فروا من سرت عقب دخول الدواعش إلى المدينة ولم يتبق فيها غير الأجانب وبعض المواطنين الليبيين.. وبعد استيلائهم على المدينة مارسوا قمعاً وقهراً وتنكيلاً بمن بقى من سكانها ليبيين وأجانب!!.. ومن بين الجرائم التي ارتكبتها داعش في سرت كما يقول (مدودة) وكان شاهد عيان على إعدام غير المسلمين بقطع رؤوسهم دون ذنب اقترفوه عدا أنهم أقباط مصريون، وإجبار المواطنين على اتباع تعاليمهم ومن يخرج منها يزج في السجن أو يعدم بالسيف.. وتابع: “أبشع جريمة مارستها داعش ضد النساء وكنت شاهد عيان عليها عندما أعدموا (9) من النساء المصريات بتهمة ممارسة الدجل والشعوذة التي يطلقون عليها (الشرك)!! فاهتزت مدينة سرت بأكملها لهذه الجريمة كما لم تهتز أيام الانفلات الأمني والثورة الليبية التي شهدت قتلاً ممنهجاً.. فداعش استغلت بعض الشباب من جنسيات عربية وأفريقية مختلفة كان من بينهم (3) سودانيين أجبرتهم عنوة تحت التهديد بالقتل على العمل معهم (سخرة)، توفي اثنان منهم لاحقاً في سجن الجيش الليبي الذي اعتقلهم بعد خروج داعش بتهمة انتمائهم للتنظيم.. وأحدهم كان يعاني من حساسية في الصدر ـ ربو ـ وزج به في المعتقل سيئ التهوية وتوفي بعد (3) أيام لعدم تلقيه العلاج ولسوء بيئة السجن، كما توفي بعده الشاب الآخر ولكن لا يعرف سبب وفاته، بينما الثالث ما زال مفقوداً وقيل لنا بأنه يخدم في مسكن للضباط في مكان مجهول”.
الهروب
وخرج (مدودة) من مدينة سرت صوب مدينة (الجفرة) ومعه مجموعة من السودانيين وذلك بعد خروج داعش من المدينة ويقول: “بعد أن استبد بنا الوضع ولم يعد بمقدورنا العيش في المدينة التي باتت أشبه بمدينة أشباح تسللت ومعي آخرون ليلاً خوفاً من دوريات الجيش الليبي والعصابات، وسرنا مشياً على الأقدام لثلاثة أيام كاملة قطعنا خلالها أكثر من (150) كيلو متراً، كنا نسير ليلاً ونتفادى المناطق المكشوفة ونتخفي إذا لمحنا أنوار سيارة حتى وصلنا إلى مدينة (الجفرة) ومكثت فيها نحو سنتين أو أكثر.. وهناك علمت أن الأمم المتحدة ترحل الأجانب من ليبيا إلى دولهم وطلبوا منا التسجيل، فذهبت إلى طرابلس.. وفي نوفمبر الماضي حصلت على تذكرة وعدت للوطن عبر مطار الخرطوم الدولي، سالماً والحمد لله إلا من تصلب الرجلين والركبتين الذي تسبب فيهما سجني داخل الصندوق المعدني لثمانية أيام.. وحتى هذه اللحظة لا تزال تنتابني الكوابيس بجرائم داعش التي كنت شاهد عيان عليها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى