أعمدة رأي

*مصر : موسم الهجرة إلى الشمال*

*هشام الكندي*

خلدت رواية موسم الهجرة الى الشمال لعبقري الرواية العربية ابن كرمكول بمنحنى النيل الأديب الدكتور الطيب صالح التي كتبها العام 1966بجانب روايات ( عرس الزين ومريود وبندر شاه ونخلة على الجدول) َصنفت رواية موسم الهجرة بين أفضل مائة رواية عالمية وترجمت لعدد من اللغات العالمية ، دارت فصولها حين وصول (مصطفى سعيد) من البوابة الأفريقية الى بلاد الفرنجة الأوربية فإلتحق بالدارسة بالجامعة البريطانية وتعرف على عادات وتقاليد البلد الجديد حتى تصيد سهام قلبه سيدة تدعى (جين مورس) ففتن بجمالها وتزوجها لكنها كانت قوية الشخصية متسلطة فى الأحكام والرأي فلم يطيب (لسعيد) المقام معها وسرعان ما عاد لوطنه ، فالرواية بين فصولها تحدثت عن صراع الحضارات مابين طبيعة الحياة في الشرق والغرب فكانت علاقة الإستعمار قائمة على الشك والخداع وعدم الثقة والنتيجة التي خرج بها المؤلف أن الإنسان واحد في اي زمان ومكان ، تنتهي الرواية بموت (سعيد) دون العثور على جثته أراد أن يرحل من الحياة دون دموع وداع .

فظلت دموع أهل السودان تنهمر عبر التاريخ القديم والجديد حتى كتبت بكائيات الشعر والغناء حين كان (النفاج والزير والحوش) واهلنا على غيرهم من الشعوب يحنون للماضي (ريد الزمان كان عفيف وطاهر) َو(الذكريات صادقة ونبيلة) مابين الاسكلا والترماي والبلدية والسكة حديد وفلير دمور فالتطور العالمي الذي حدث خلال المئة سنة السابقة كسح قطار الترماي والسكة حديد واصبحت حدائق البلدية تترأى كصفق الشجر ، فالهجرة التي حدثت من الريف للحضر خاصة بعد جفاف 1984 جعل من الخرطوم بليل مدينة أشباح الضغط على خدماتها والعيش على ارصفة التشرد والتسول فضاق مركزها وانطفأت انوارها وذبلت اشجارها وزهورها فطفح صرفها الصحي وتبول العباد على حوائط الجامع الكبير وتوقفت وصلات غناء فرقة جاز الديوم (حاجة كولن كولن الله يخلي ولدي) ومثلها سهرة فرسان في الميدان و خميس تلسنما .

عقب انهيار جدار حكومة الرئيس البشير بعد ثورة ديسمبر 2019 وماحدث من فراغ دستوري وَامني كبير مع غياب مؤسسات الدولة التشريعية ومحايات شيخ جبريل عطفا على الركود والانهيار الاقتصادي وارتفاع مستوى التضخم وبين قفل الشرق والجامعات وطال انتظار الضوء اخر النفق جعل آلاف الأسر تلملم (البقج) وتشد الرحال نحو شمال الوادي فباع (مصطفى سعيد) مايملكه من عقار وحول المبالغ المليارية إلى دولار وقام بسحب أوراق الطلاب من الجامعات والمدارس وقامت المدام بشراء الدكوة والجبنة المضفرة والويكة ولحم الضأن وزيت السمسم وعبر بصات ابوعامر جاك زول اليوم الأول وصولا للمعبر واليوم الثاني على ابواب العتبة والمهندسين ، عشرات الرحلات يوميا بين الطائرات والبصات يحملون أجساد بعقولها وجيوبا بدولاراتها .

أربعة مليون سوداني وصولوا لمصر مؤخرا ، فإمتلكوا الشقق بالقاهرة وضواحيها واتسأجر البعض بفيصل وعابدين فإنتعش سوق العقار والاقتصاد المصري بموجب حركة الدولارات السودانية : المستشفيات ، الأجهزة الكهربائية ، التاكسي ، الكافتريات ، أسواق العتبة أسواق الأثاث الدمياطي إلى المدارس والجامعات ، البعض منهم امتهن إيجار الشقق (واحدة للسكن واحدة للإيجار) وآخرين سائقين تاكسي دلفري وآخرين يفرشون سوق العتبة وآخرين بمكاتب الشحن وآخرين يتسكعون بشارع السودان ، الحياة هناك أرخص بكثير مقارنة بالسودان ، نعم الوضع القاتم جبر هؤلاء للفرار واختيار نار الغربة ولعل البريق سيخدع الكثيرين و(مصيرو يرجع لأهلو وصحابوا) فطالما الإنسان غريب عن الديار ستسمع يا زول يا اسمراني يابن النيل ، وحال تجاوز السودان محنته وتعود الطيور المهاجرة سيجد اغرابا قد سكنوها (من أين اتى هؤلاء) وسيعود (سعيد) من فرنجة َبريطانيا ويموت بصمت بترابه خيرا من ان يموت كما مات (بهنس) في بلاد تموت حيتانها من شدة البرد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى