مقالات

دول هشة ونيوليبرالية في أفريقيا جنوب الصحراء

Fragile states and neoliberalism in Sub-Saharan Africa

عاصم زين العابدين

بقلم: اليسا غونزالس ايمي [*]

مجموعة الدراسات الافريقية جامعة مدريد Grupo de Estudios Africanos/African Studies Group

ترجمة: عاصم زين العابدين

Global Forces and State Restructuring. Dynamics of state formation and collapse by Martin Doornbos, Palgrave Macmillan, 2006.

القوى العولمية وإعادة تشكيل الدول-ديناميكيات تكوين وانهيار هذه الدول، تأليف مارتن دورنبوس، بالغريف ماكميلان, 2006.

Neoliberalism, Civil Society and Security in Africa by Padraig Carmody, Palgrave Macmillan, 2007.

النيوليبرالية، القوى المجتمعية والامن في افريقيا، تأليف بادرايغ كارمودي، بالغريف ماكميلان، 2007.

ما لا يقل عن 50 في المائة من البلدان الافريقية قد تم عرضها واظهارها في دراسات وفهارس عديدة باعتبارها مصنفة ضمن قائمة البلدان التي يطلقون عليها البلدان او الدول الهشة او الفاشلة fragile or failed states . انها تلك النوع من البلاد التي تم اختلاقها ووضع تصورات عنها اثناء الحرب الباردة، وحيث تم حصرهم عبر المسائل التقليدية المتعلقة بمجال العلاقات الدولية مثل تلك الاشياء المتعلقة بالقوة power و بسط النظام order والامن security -كمتطلبات قبل ان يتم ادماجهم في النظام العالمي.

فحين كان ينظر للدول الافريقية على أساس انها راكدة فيما يخص السياسة العالمية حتى عقد التسعينيات من القرن الماضي، الا انها أصبحت تجذب الانتباه كمادة للدراسة منذ انتهاء الحرب الباردة. ويمكن شرح ذلك في مضمار سقوط ونهاية السياق سياسي الذي كان ينظر الي الدول على أساس انها كيانات مستقلة، وان مايدور فيها يعبر عن المصالح والصراعات الداخلية -ولكن الان ماكان ينظر اليه كشأن داخلي تحول الان الي عامل هام في العلاقات الدولية. علاوة على ذلك، اصبحت المسألة السائدة انه اذا ارادت سياسات التعاون للجهات المانحة ان تكون ذات جدوى، فان ذلك يتتطلب تفهم أعمق لتشخيص حالة تلك الدول التي يأملون احداث تأثير عليها.

ان تجدد نوع المصالح فيما يخص أفريقيا منذ عقد التسعينيات فصاعداً تم التعبير عنه بمصطلحات جديدة، مثل عبارة الدول الفاشلة، وعلي وجه الخصوص و منذ يوم 11 سبتمبر 2001,فأن الدول التي تم ا دراجها ضمن هذا الوصف قد صعدت بسرعة في سلم الأجندة السياسية, وذلك لتعاظم القلق ليس فقط لعدم قدرة هذه الدول على الالتزام بالخطط التنموية التي وضعت لها من قبل القائمون على اجندة النيوليبرالية, ولكن ووفقاً لأكثر الآراء المتشائمة, فقد تؤدي هذه الدول”الفاشلة” الى زعزعة النظام العالمي بأسره. ولذلك قصد من الترويج لأطروحة الحكم الرشيد good governance كنوع من المعالجة لهذا الميل والنزعة (للدول التي تحولت الي مهددة للاستقرار العالمي).

وبالرغم من ذلك، فإن الدول الافريقية دائماً ما تتم دراستها كمجرد فضاءات سياسية غير مكتملة النضوج، وبانها فشلت في التماثل conform مع خصائص الدولة العصرية modern state . وهذا يفسر لماذا يتم يطلقون الاحكام الى تلك الدول الافريقية من التي شملتها وصمة وتصنيف انها دول فاشلة باعتبارها تمثل خطراً على الوظيفية الطبيعية للنظام العالمي. ولكي نفهم الظاهرة السياسية التي من خلالها اسقطت هذه النظرة علي الدول الافريقية بالطبع سنجد مصدرها يرجع للنموذج المعياري paradigm حول ماهية الدولة الحديثة”بالمنطق الغربي” -والتي يشير اليها النظام العالمي كمرجع أساسي ويقومون علي اساسه وصف هذه الدول باعتبارها قد جنحت deviant ولاتتطابق النموذج المعياري . ونتيجة لذلك تم تصميم السياسات الدولية فيما يخص الدول الفاشلة كمحاولة لمؤامة و استيعاب الدول الافريقية ضمن اطر الدولة الحديثة، لذا يقومون بإعادة اعمارها من خلال تصورهم ومن خلال عيونهم ومنظارهم الخاص بهم.

ويستند هذا المنطق للحد كبير للمنظور التقليدي عن افريقيا جنوب الصحراء باعتبارها قارة قد تم تهميشها من قبل السياسة العالمية. ولكن هذا النوع من التفكير قام تيموثي شو Timothy Shaw بوضعه تحت المجهر(1)،وشو هو محرر في سلسلة الاقتصاد السياسي الدولي International Political Economy التي يتم تم نشرها من قبل مؤسسة بالغريف ماكميلان للنشر، وحيث يستمر شو في عرض قرأة بديلة ومغايرة لتلك الفكرة التي تدور حول ان افريقيا قارة مهمشة في عصر العولمة. وايضا هنالك كتابان الكتاب الاول هو-القوى العولمية وإعادة تشكيل الدول: ديناميكيات تكوين وانهيار هذه الدول لمارتن دورنبوس، Global Forces and State Restructuring: Dynamics of State Formation and Collapse والكتاب الثاني هو :النيو ليبرالية ، المجتمع المدني والامن في افريقيا Neoliberalism, Civil Society and Security in Africa ، لبادريغ كارمودي-وحيث يحاول هذين الكتابين الى فهم ديناميكيات النظام العالمي المعاصر والطريقة الذي يشتغل به في السياق الافريقي. ويشمل ذلك الكيفية التي تدافع فيها هذه الدول الافريقية علي نظامها وامنها(من هجوم القوي العولمية).

ويقدم الكتاب الاول تحليلاً للعمليات التي تجري حالياً من انهيار لهذه الدول state collapse ( الافريقية) وعمليات إعادة تشكيلها restructuring وتكوينها formation . والكتاب الثاني، والذي يشير الى العديد من الدراسات التي تم قام بها كتاب اخرون، ويشير الكتاب الى الطريقة التي قام بها مشروع النيوليبرالية بإعادة صياغة وإعادة اكتشاف نفسه (في افريقيا)لضمان ديمومته. وقام الكتاب بطرح اسئلة مثل هل هذه الدول الهشة او الفاشلة مجرد مساحات فارغة empty spaces ؟ وهل السياسات التي يتم وضعها الان هي السياسات الصحيحة لحماية النظام الدولي؟

واحد الاشياء ذات الاهمية عما نحن بصدده هي مسألة انتهاء الحرب الباردة cold war بالنسبة للدول التي انهارت( بعد انهيار الاتحاد السيوفتي) علي صعيد القارة الافريقية، حيث يعتقد دورنبوس Doornbos في كتابه ان مسار الانهيار ينبغي الا ينظر اليه بمعزل عن مسار اعادة تكوين هذه الدول . فالاثنان اي التكوين والانهيار كجزء من إعادة التنظيم السياسي political reorganisation (العالمي)، وكجزء من عمليات أوسع مثل العولمة globalization . بالإضافة الى ان هذه تم اعادة تشكيلها بأيدولوجية طاغية مثل النيوليبرالية neoliberalism . ويعرف دورنبوس العولمة بأنها القوة الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تقوم بتقييد ووضع شروط علي نظام الدولة. وبالتالي يشجع كل من تشكيل الدول وانهيارها من خلال,علي سبيل المثال ، إضفاء الطابع المؤسسي على الهياكل (المحلية) وضبط بوصلتها مع المستوى العالمي و هذا بدوره يؤدي الي الارتطام والاعتداء علي القوى والصلاحيات التي كانت في السابق تنتمي إلى الدولة القومية nation state . وهي بدوره يؤدي الي اضعاف الاستقلال السياسي political autonomy للهذه الدول مع تزايد المطالبة بمطابقة conformity “هذه الدول للمعايير اللازمة لتؤام نفسها مع القوي العولمية ” –وتختلف استجابة الدول من دولة لاخري.

بعد إنقضاء عهد الاستعمار decolonisation  ، فشلت الدول الأفريقية لتتوافق مع نموذج الحداثة  modernity ، ولكن انتجت في المقابل شيئاً مختلفاً الا أن هذا الشئ المختلف قد تم حجبه   blurred بمفاهيم مختلفة مثل مصطلحات الدول الفاشلة ، الدولة المنهارة والدولة الضعيفة. وجرت محاولات من المجتمع الدولي لتوجيه التنظيم الداخلي والآليات الإدارية لهذه الدول من خلال تعزيز معايير معينة ، والتي يمكن ان نجملها في مصطلح إعادة هيكلة  re-structured. هذه الدول . هناك إصرار عنيد على ” اعتماد معايير السلوك المستمدة من الغرب في العديد من السياقات السياسية والثقافية التي لاعلاقة لها بالبتة مع الغرب ” (2) مثل فكرة ان الدولة كضامن   guarantor لل سيادة القانون والنظام العام   public order و التنمية قاموا بالتعامل معها كمسلمة وكمسألة بديهية ، بينما في الواقع أن مثل هذه العلاقة(بين الدولة والقانون) هي أبعد ما تكون عن كونها علاقة تلقائية واتومتيكية- كما تظهر لنا جلياً في الدول التي تعرضت لانهيار. أن الأزمة النوعية للدولة الفاشلة تتشكل في مسألة تهديدها على النظام الدولي بسبب الظروف والصراعات الاجتماعية التي نتجت (عن انهيار الدولة) ، ولكن أيضا لأنها تشكك في جدوى فعالية وحيوية اللاعب في العلاقات الدولية : الا وهي الدولة نفسها . وفقا ل دورنبوس ، فأن النظام الدولي ” يعتمد على فرضية الحياة الطبيعيةو نِظَامِيّة  normality الدول ” (3 )ومع ذلك، فإن الغياب للفهم كيف يمكن للدول التي انهارت في الواقع ان تقوم بعمل يؤدي إلى الافضاء للشئ ليس فقط انه لايوجد ضمانات بأن السياسات الدولية ستحقق هدفها ولكن قد تكون لديها حتى تأثير معاكس للهدف المطلوب الذي تسعي اليه.
ان مفهوم الحكم الرشيد هو واحد من العناصر الأساسية والجوهرية للمعايير الدولية السائدة والذي يستخدم كاداة التي يمكن استخدامها ل قياس جودة سيادة العديد من الدول الأفريقية . ومع ذلك، فإن مفهوم”الحكم الرشيد” يعمل أيضا في الدفاع عن صيغة سياسية بعينها ، وواحد منها انه  يديم ويعزز  صورة هذه المجتمعات كضحايا سلبيون   passive victims ولايتم التعامل معهم كفاعلين سياسيين  political actors. . وحيث بالنسبة ل دورنبوس فان مفهوم الحكم الرشيد كما يفهم من قبل الأكاديميين – بانه محاولة لتأطير علاقات القوة والسلطة بين الدولة والمجتمع من أجل الحصول على شئ أفضل لفهمهم واستيعابهم – وهم بذلك(اي الاكاديميين) وبالطريقة والاستيعاب الذي يستخدمون به مصطلح ومفهوم “الحكم الرشيد” لا يتتطابق مع  ذلك المستخدم علي الارض في السياسات الحالية(من قبل المانحين والمجتمع الدولي) ،وحيث تضع هذه السياسات تركيزاً كبيراً باعتبار أن الدولة بوصفها مجموعة من المؤسسات و يبحثون عن معرفة الطريقة التي تمكنهم من ادارة “هذه المؤسسات” باعتبارها مفتاحهم لخلق تأثير على الأراضي التي يقومون فيها بتنفيذ خططهم واجندتهم.بهذه الطريقة،فيمكن أن يقال بان المجتمع الدولي international community قد قام بالحد من ممارسة الدول الفاشلة للسيادتها   sovereignty –  تلك السيادة التي يمكن أن توفر المجال لل منظمات سياسية بديلة تلك التي يمكن أن تنشأ ، و التي قد حتى تسمح المحاورين باكتشافها(اي المنظمات السياسية البديلة)  داخل المجتمع نفسه ، بدلا عن البحث عنها داخل هياكل الدولة وحدها . حيث أكد المؤلف نفسه ، ان انهيار”الدول” يمكنه أن يؤدي إلى عملية سياسية تكوينية وبنائية جديدة  formative political processes  4 (ولكن المشكلة – كما اظهرت السبعة عشر عاما الأخيرة من تاريخ الصومال(هي الفترة من انهيار الدولة الصومالية في  1991وحتي 2007 وهي سنة نشر هذا الكتاب) – هي ، مرة أخرى ، أن النظام الدولي يعتمد في بقائه على وجود الدول التي  تنسجم وتتوافق مع نموذج الدولة القومية الحديثة.
منذ تفكك الدولة الصومالية في عام 1991، بسبب الصراع من أجل السيطرة على الاتجاه السياسي للبلاد ، لم تعد الدولة في الوجود بهيكلها البيروقراطي . ومع ذلك ما زال قائمة كهيكل  قانوني في نظر المجتمع الدولي (وفقا للأمم المتحدة  على سبيل المثال) . في حين جرت محاولات أولية لتحقيق المصالحة و استعادة الدولة ، وبدأت الكيانات السياسية بالظهور مثل أرض الصومال Somaliland (شمال الصومال مطلة علي خليج عدن). وطالبت هذه الأخيرة المجتمع الدولي بالاعتراف باستقلالها، بحكم حالتها باعتبارها مستعمرة بريطانية سابقة . وبالمثل، كيان اخر داخل الصومال وهو صومليا بونتلاند Somali Puntland  (شمال شرق الصومال) – والذي استخدمه دورنبوس  كمثال- هو حالة أخرى لأشكال جديدة لإدارة الدولة تشكلا داخل “الدولة التي انهارت” و حيث استعادة الجهود المحلية عملية  استعادة السلطة السياسية.ويبدو أن الدراسات عن الصومال ودول أفريقية أخرى لم تدفع ما يكفي من الاهتمام لدور الجهات الفاعلة غير الحكومية – سواء كانت محلية أو دولية – في ترسيخ الدولة أو إضعافها او في تعزيز التنمية. أهملت احتمال أنها قد تكون المساحات السياسية، في عملية إعادة تنظيم أنفسهم – ان الاستجابة الدولية لمثل هذه النوع من الدول (مثل صوماليالاند وصوماليابوتلاند)- اقتصرت بالنظر إليها على أنها مساحات وفضاءات  شاذة.واهملوا احتمالية ان  تتحول الي مساحات وفضاءات سياسية التي ستنتج من عملية اعادة تنظيمهم لانفسهم. ويتم النظر للدول الهشة،با عتبارها مساحات فارغة، والتي خضغت وتخضع لعدد من التدخلات التي تم بدافع نوع من الرعب السياسي بسبب الفراغ  horror vacui **الذي خلفته غياب الدولة – وهذه التدخلات صممت أيضا وفقا ل “معايير مؤسسيةوآليات بصبغة أنظمة النيوليبرالية الغربية ” (5) والتي فشلت لان تأخذ بعين الاعتبار الخصائص والمطالب التي تميز كل بلد عن الاخر. في تحليل اخير، وهذا يدل ويبرهن على أن النظام الدولي لديه فكرة ضئيلة في كيفية التعامل مع هذه المساحات، والذي كان واضحا في عام 1993 – مع فشل عملية المعروفة باسم استعادة وترميم الأمل في الصومال Restore Hope in Somalia.
ينطوي انهيار الدولة علي عدداً من العمليات المعقدة جدا ، مع الاختلافات بين حالة دولة وأخري التي ترفض الامتثال للفهم التلقائي والعفوي لفكرة مجتمعات فاشلة. انها تلك النوع من الحقائق  التي تشكك في مسألة خرافة الدولة و سيادتها ، والتي يمكن أن تفهم على أنها نتيجة للحاجة إلى التغيير والبحث عن نظام السياسي المناسب الذي سوف يعبر عن الاحتياجات الحقيقة الخاصة بهذه المجتمعات .وفي الواقع فأن عمليات الانهيار و التشكيل (من قبل المجتمع الدولي) تجري في الوقت نفسه، وكلاهما يتميز باعادة تعريف الهوية ، وعلاقات القوة(السلطة) power relations والهياكل الإدارية للدولة والعلاقة بين الدولة والمجتمع (6) و حتى الوقت الحاضر، يركز الاهتمام على الدولة و مؤسساتها ، بدلا من التركيز على العلاقة بين الدولة و المجتمع ، أو على الحركات التي تنضال من أجل البقاء الاجتماعي . هذا يكشف عن عدم معرفة الحقائق السياسية والاجتماعية لل دول الأفريقية.
وعلى النقيض من فكرة مساحة فارغة غير المحكومة (بدولة) an ungoverned blank space، يقوم دورنبوس بالدفاع عن تثبيت تشكيل و انهيار الدول في سياق تاريخي أوسع . وهو ، وعلاوة على ذلك ، متشكك جدا بشأن مدى ملاءمة الصيغ الموجودة”للدول” من قبل، والتي فشلت في الماضي . ويقول ان يتم فسح المجال وتقديم الدعم  للجهات الفاعلة والممثلين للقوي الذين يشاركون مباشرة من ابتكار الحلول الخاصة بهم بدلاً من الذي يقدم لاولئك في المجالات الأكاديمية و السياسية. في الوقت الحاضر ، بعد ذلك، لا تزال الجهات الفاعلة الدولية للبحث عن وسائل علاج وحل لظاهرة هذه الدول المنهارة تقريبابالطريقة التي تشبه حالة الطبيب الذي يبحث عن علاج لمرض ليقلل من احتمال  ان تجد المجتمعات في هذه الدول المنهارة العلاج بنفسها.
ويعزز دورنبوس وجهة نظره بأن المانحين يجب أن يتوقفوا عن التفكير من ان عملهم ومهمتهم هي نقل السياسات و تمكين هذه السياسات و تنفيذ المهمة الحقيقية ل دعم البرامج المصممة للمجتمعات المتضررة مباشرة من انهيار الدولة . ما دام لا يوجد أي تغيير في وجهة نظرهم حول هذه السياسات، فأن هذه السياسة الدولية في اتجاهها إلى بذل جهودها في محاولة للحفاظ على النظام من دون أن يدركوا أنه في حد ذاته قد يكون واحدا من أسباب انهيار.في الواقع ، ان مصطلحات مثل ” الحكم الرشيد” أو “المجتمع المدني civil society ” -هذه التعبيرات الطنانة   buzzwords وفقاً ل دورنبوس ( 7)  وعبارة عن  شعارات  watchwords بالنسبة كارمودي (8) – انها قامت بتمكين مؤسسات التعاون الإنمائي من تجديد نفسها . ومع ذلك فقد حدث هذا دون إعادة النظر لاسس  السياسات  التي بات بالفشل التي حدثت في الماضي – ، في الواقع ،هي سياسات قامت باقتلاع جذور الدول الإفريقية ، مثل برامج التكيف الهيكلي   structural adjustment programmes في الثمانيات(بواسطة صندوق النقد الدولي) . وبعبارة أخرى ، فان برامج التكييف الهيكلي قامت بتكريس فهم بان الفقر والصراعات ذات طبيعة ذاتية النشؤ  endogenous  وانها حالة متوطنة فبها، و حذفوا حقيقة ان للفقر والصراعات ارتباط بتركيبة السلطة علي المستوي العالمي، مثل تكريس وتقوية بعض النخب في الحكومة نظرا ل علاقاتهم وصلاتهم مع المجتمع الدولي ، أو حذف حقيقة المشاركة ودور الشركات متعددة الجنسيات في تسيير الاقتصاد . إلى حد أنهم يقومون بتجنب  وتحاشي وضع العوامل ذات الطبيعة الهيكلية محل تساؤل او اختبار، هذه ادوات سياسة لدعم الوضع القائم دولياً.في الواقع ، ان النيوليبرالية – يتم فهمها على أنها توليفة  synthesis بين اقتصاد السوق الحرة و النظرية الليبرالية الديمقراطية – و ان هذه السياسات لم تقوم فقط بجعل التهميش لاقتصاد القارة أكثر حدة ، ولكنها أيضا قامت على إدامة سياسات المحسوبية  (9)  وعلى الرغم من الأزمات السياسية والاقتصادية التي ولدتها (النيوليبرالية)، فان ايديولوجيا (النيوليبرالية) قامت بإعادة إنتاج نفسها من خلال الإصلاحات المتعاقبة ، وبالتالي تجنب  إعادة النظر في التناقضات بين مقاصد الحد من الفقر والسياسات الحكومية(تقصد انه يتم التحايل في الابقاء علي السياسات الاقتصادية النيوليبرالية وعدم طرحها في اجندة الاصلاحات السياسية) . يقوم كارمودي يطرح هذا السؤال من أجل شرح أجندة النيوليبرالية في أفريقياومنذ حقبة التسعينيات 1990s فصاعدا ، تم تفسير انهيار الاتحاد السوفييتي باعتباره انتصارا للولايات المتحدة الأمريكية ، وبالتالي ان إضفاء الشرعية على السياسات التي اعقبت انهيار الاتحاد السيوفتي قامت بتشكيل (وتبرير) التدخلات الدولية والتي كان اغلبها في الدول الهشة . الهدف الرئيسي من هذه السياسات هو إحداث إعادة هيكلة هذه الدول ، و تم بناء سياسات التدخل هذه علي فكرة أن هذه المجتمع المعنية هي عامل سلبي و يجب أن يتم اعادتها  للحياة من بعيد.دراسات  كارمودي ولا سيما عن آثار النيوليبرالية على التنمية الاقتصادية وتعزيز الأمن الداخلي . يفعل ذلك في إشارة إلى ثلاث حالات ، كل منها يتناول قضية مختلفة . أولا قام بالنظر الي  إثيوبيا ، حيث ان سياسات الحد من الفقر بفضل الهيئات الدولية لم تؤدي إلى تغيير اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي كبير ، ولم تؤدي إلى تعزيز الحوار بين الدولة والمجتمع . وثانيا نظر الي حالة زيمبابوي ، حيث جلبت اجندة النيو ليبرالية ضغطاً علي نظام موغابي بزيادة التَقَلْقُل بين السكان . المثال الثالث هو جنوب أفريقيا ، وهو البلد الذي شهد نشوء برنامج التنمية المعروف ب”الشراكة الجديدة للتنمية في افريقياوالمعروف اختصاراً ب نيباد” NEPAD والذي ادئ الي ضعف وهشاشة اقتصادية واجتماعية علي طول البلاد وعرضها.بالنظر في هذه الحالات الثلاث ، فإنه من الصعب القول بأن سياسات النيوليبرالية قد أدت إلى رفاهية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية اكبر في الدول الأفريقية . ولكن سياسات التنمية النيوليبرالية تهدف أيضا إلى تعزيز المشاركة المجتمعية بتبشيرها ب أوراق استراتيجية الحد من الفقر  (Poverty Reduction Strategy Papers (PRSP والتي يجري حاليا ترويجها كموضة   vogue . وتسعى هذه الاسترايجية لإعادة تأهيل الدولة بينما تشجيع المجتمع على المشاركة في هذه العملية. لهذا السبب ، فانهم يقومون بالتركيز علي الحقوق المدنية و الاجتماعية (على الرغم من أنها لا يلمح الى بناء دولة الرعاية  welfare state  او دولة الرفاه) (10)  .وبالتالي المشكلة تنشأ في التناقضات التي تولد مثل هذه النوع من السياسات . والتي يتركز سعيها في مسألة الأمن الداخلي من أجل إرساء الاستقرار الداخلي والدولي اللازم لازدهار السوق، ويكمن التناقض في انهم فشلوا في التشكيك في نموذج التنمية “النيوليبرالية ” نفسه ، والذي قام بإهمال تشجيع و تشكيل حركات اجتماعية قوية لانهم يعلمون اذا حدث وان تكونت حركات اجتماعية قوية فربما تقوم بوضع سياسات النيوليبرالية نفسها في مثار تساؤل. وبالمثل، فإن التفاوت المتزايد بين أهداف السياسة المعلنة التي تتحدث عن  الرفاه للجميع – و بين نتائجها الحقيقية – من تركيز السلطة في أيدي قلة من الناس والفوارق  الطبقية والذي يكشف حقيقة ان المجتمع المدني “الذي قاموا بتشييده”دوره المرسوم هو لعب ثقل موازن counterweight  للدولة ، ولكنه مصمم “اي المجتمع المدني” بأن لايقوم بطرح مسائل راديكالية متعلقة بالحقوق الاقتصادية والعدالة الاجتماعية ، وبالتالي يترك التوازن العام للقوي كماهو لايتم الاعتراض عليه (11).
وبالعودة إلى مثال كارمودي – و كيف تظهر انعكسات تناقضات النيوليبرالية في بالطريقة التي تشتغل بها والطريقة التي صممت بها استراتيجية الحد من الفقر في اثيوبيا. و من الواضح ان العلاقة بين البنك الدولي والحكومة الاثيوبية برئاسة ميليس زيناوي (الذي توفي في يوم 20 اغسطس 2012) قد تقطعت بها السبل في مكان ما بين الحاجة إلى دعم المجتمع (فالوقت الذي تعتبر فيه اثيوبيا الاسوء في العالم علي حسب مؤشرات التنمية البشرية) وبين الضرورة الجيو استراتيجي لدعم المحافظة علي الحكومة والتي لاتمت مبادئها للمبادئ عقيدة النيوليبرالية من قريب او بعيد. حيث أنه ومنذ عام 1991، كانت الحكومة الإثيوبية (التي تديرها الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الاثيوبية) قادرة على الدفاع عن خط الخطابي الذي تريد الجهات المانحة سماعه مع الحفاظ على الأيديولوجية الماركسية اللينينية التي تتبنها (12). وبذلك، فقد تمكنت من مواصلة تأمين موارد من خارج البلاد ، في حين السيطرة على تحركات أعضاء من المعارضة و رفض الاعتراف بالملكية الخاصة للارض.
وقد أدى القلق إزاء زحف الإرهاب في القرن الأفريقي لوجود مصلحة في الحفاظ على علاقات جيدة مع إثيوبيا ، وهي دولة محورية في المنطقة .كل من الولايات المتحدة الأمريكية و المملكة المتحدة كانتا تكره أن ينأوا بأنفسهم عن حليف في الحرب على الإرهاب (13) وبالتالي قاما بإضفاء الشرعية على الحكومة. وانه صحيح أيضا أنها ستكون مسألة صعبة ان يقوموا بقطع المساعدات من الدولة، و بالتالي من المجتمع، الذي يتعرض بانتظام للمجاعة . على الورق ، تم تصميم استراتيجية الحد من الفقر في الطريقة التي تتجه نحو تحقيق تمتين الدولة من خلال التحريض على مشاركة المجتمع  وهو الهدف الذي لم يتحقق .

وبناء على أبحاثه على إثيوبيا ، يقوم كارمودي بتوضيح كيف انه في الواقع وعلي مستوي المسودة والمستندات كان ذكر المشاركة الاجتماعية ضئيل . وتفسير الصعوبات في خلق قنوات كافية للمشاركة الاجتماعية يمكن تفسير عدد من العوامل . في حالة إثيوبيا ، فان الطبيعة القسرية للدولة في الماضي قامت بتشكيل المجتمع .و منذ عام 1960 وضعت الدولة ما يسمى بالمشاريع التشاركية ذات طبيعة الإدارة الجماعية ، ولكن هذا قد ترك الفلاحين بشكل فعال تحت السيطرة ، و بالتالي فأن مبادرات المشاركة بشكل عام تقابل بعدم الثقةمن قبل المجتمع. الاثيوبي (14). في الواقع ان مفهوم المُشَارَكَة  participation يختلف وفقا لطريقة يتم تفسيرها من قبل الجهات الفاعلة مثل وكالات التنمية – وعلى حد سواء محلياً وعالمياً,ان الدولة الاثيوبيةو موظفيها في الخدمة المدنية ، والمجتمع المستهدف بالسياسات ناهيك عن القوة النسبية لبعض العناصر الاضافية . وأشار الكُتاب المنتقدين لهذه النوع من السياسات الغامضة ل استراتيجية الحد من الفقر وانها فقط ما الا آلية تعزز موقف البنك الدولي اولاً واخيراً ، مما جعل ال مُشَارَكَة ” هي عبارة تكنولوجيا في خدمة اليقظة وتطبيع المجتمع المدني والدولة ، في حين لا تلعب دورا في الحياة اليومية للناس العاديين ” (15)  وكما أشار بروديل ، موضحا  ان الحاضر لا يزال هو الهدف ، ومعرفة طبيعة العمل الذي يجري في السياق السياسي و الاجتماعي حيث تجري التدخلات الإنمائية هو مسألة مطلوبة لنعلمها اذا كنا نتحدث ان هنالك تحسينات ستحقق.(16) هذه الممارسات تجعل من النيوليبرالية مذهب الذي يعزز في نهاية المطاف عدم المساواة ، وتقييد تطور الدول في النظام الدولي وتشويه الكثير من المبادئ التي كانت ستنشأ . واحدة من الرسائل الكُتاب التي ارادوا ايصالها ونقلها  مفادها هنا هو أن هذه الدول و المجتمعات تحتاج إلى  ان تجد فضاءات ومساحات ليستطيعوا من خلالها إعادة صياغة نوع خاص من التنظيم السياسي يتناسب معهم ، وهذا بالتالي يتطلب من السياسات الدولية ان تتجاوز وتتخطي المفاهيم القياسية والمعيارية عن الدولة. ان جزء من التغلب على التناقضات النيوليبرالية يتطلب التخلي عن وجهة النظر الغائية   teleological و المانوية  Manichean للتاريخ، والعودة إلى منظور المدى الطويل الاجل .تقوم السياسة الدولية الحالية على الحماس للتنبؤ والسباق نحو المستقبل، والتييتزامن مع الطلاق من التاريخ (وهي بهذا المعني تفتقر إلى الجودة النبوئية) ( 17) ومن ثم الحاجة لدراسة تكوين وهيئة الدول الحالية , جنبا إلى جنب مع ايجاد موضوعا جديدا – مثل انهيار الدول أو الجهات الفاعلة الدولية الجديدة. وكذلك فأن المفاهيم الكلاسيكية للسلطة والسيادة أو الأمن نحتاج لأن ينظر اليها من زوايا أخرى – المنظور الذي يمكننا، على سبيل المثال، فهم وشرح العلاقة بين الدولة والمجتمع، سواء على الصعيد الوطني و الدولي ايضاً.واحدة من مزالق السياسات التي صممت للدول الهشة هي الفجوة التي تفصلهم عن بعض التفسيرات الأكاديمية التي تنتقد أداء المجتمع الدولي. حيث تقوم التفسيرات الاكاديمية بتوفير الأدوات المفاهيمية التي لفهم أفضل للواقع الاجتماعي في الدول الفاشلة. وحتى يومنا هذا، فان مادة مجال العلاقات الدولية يميل إلى تحليل العالم من منظور  أقوى الدول، وذلك أساسا بسبب ان مجال ومادة العلاقات الدولية انتجت في الدول “الاقوي”، و بمادة ومجال العلاقات الدولية الذي انتجوه يقومون بتشكيل النظام الدولي والدفع به الي الامام (18)

الهوامش:

(1) في عام 2001 ، قام شو Shaw بتحرير كتاب بالاشتراك مع كيفن دان Kevin Dunn بعنوات – أفريقيا تتحدي نظرية العلاقات الدولية Africa’s Challenge to International Relations Theory ( طبع في نيويورك : وقامت بنشره بالغريف ) ، وهو كتاب ينتقد التفاهات التي تستخدم  بشكل تقليدي لوصف القارة الافريقية . في المقدمة، يشير كيفن دان إلى أن أفريقيا قد غابت من نظرية العلاقات الدولية ، وان التهميش جعل القارة فريسة ل علاقات القوة ، و جزء منه يعود لسوء الفهم النظريات السياسية عن الدول الأفريقية ، ص . 2

(2) دورنبوس ، ص . 81 .

(3) دورنبوس ، ص . 11

(4) دورنبوس ، ص . 176 .

(5) دورنبوس ، ص . 77 .

(6)” انهيار أو نظام؟ التشكيك في مايقال عن انهيار الدولة في أفريقيا Collapse or order? Questioning the collapse of the state in Africa” ” تأليف رايميكرس تيموثي Raeymaekers, Timothy, ظهر هذا المقال علي Revista Académica de Relaciones Internacionales, n  في مارس  2000 ، ص . 11. يتناول المؤلف هذه الأسئلة ويقول إن الصومال ” شهدت ظهورفسيفساء من التشكيلات السياسية المحلية التي يتم تطويرها من الاتفاقيات الجديدة بين ” الرجال الأقوياء ” من المحلين ، وشيوخ الأسر والعشائر و السياسيين المحليين ( الميليشيات ) والذين قاموا بالتوفير للصوماليين مستويات مختلفة من “الحكم ” ، إن لم تكون حكومة “. ص8
(7)  دورنبوس ، ص 74. التعبيرات الطنانة تخفي فشل الاتجاهات السياسية السابقة وتقدم فرصة لاعادة تجديدها.نوفمبر 2006 ص9  Darbon, Dominique, “¿Reformar o rehacer las administraciones proyectadas de las Áfricas? Entre rutina antipolítica e ingeniería política contextual” in Revista Académica de Relaciones Internacionales, nº 5

(8 ) كارمودي ص12 .

(9) كارمودي ص2.

(10)  كارمودي، ص 113.  وفيما يتعلق بالسياسة الأمنية، قام مارك ديوفيلد إلى أن “من المهم أن نلاحظ أن فكرة الرعاية الاجتماعية هي مسؤولية الدولة، مثل المفهوم و الفكرة الأوروبية عن دولة الرفاه، وهي مسالة واضحة ولكنها غائبة في الخطاب السياسي “وأن الاتجاه الذي تتخذه واحد هو أن يتحرك نحو” نموذج الرعاية الذي يعتمد أساسا على المساعدات والخصخصة “. cf. “Los estados frágiles y el retorno de la administración nativa, en Revista Académica de Relaciones Internacionales, nº 8، مارس، 2008، ص 6 ص 12.

(11) كارمودي، ص 45 و 73.

(12) فيستال، تيودور ام.، إثيوبيا. الدول الافريقية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة Ethiopia. A Post-Cold War African State ، بريغر، يستبورت كونيتيكت، 1999، الفصل 7.

(13)  لوبوف ، و ألين انتيل ، آلان ، ” الدول الهشة والإرهاب ، وصلة غامضة ” في كستنائي، وجان – مارك ماغرو ، هيرفي ( محرران ) ، الدول والمجتمعات الهشة . بين إعادة الإعمار الصراع والتنمية ، كارتالا ، باريس ، 2007 ، ص . 210Leboeuf, Aline et Antil, Alain, “États fragiles et terrorisme, le lien ambigu” en Châtaigner, Jean-Marc et Magro, Hervé (dirs.), États et sociétes fragiles. Entre conflits, reconstruction et développement, Karthala, Paris, 2007, pp. 210

(14) هاريسون، إليزابيث Harrison, Elizabeth “المشكلة مع السكان المحليين”: الشراكة والمشاركة في إثيوبيا »، التنمية والتغيير The problem with the locals”: Partnership and participation in Ethiopia», en Development and Change ، عام 2002،المجلد. 33، Nº 4، ص. 587-610.

(15) كارمودي ، ص . 118 ؛ و أوضح الكتاب الآخرين كيف ان الليبرالية ستقبل الأنظمة الاستبدادية اذا كان بامكانهم تحقيق التنمية . علي سبيل المثال ، مارك دفي في مرجع سابق .

( 16) 16 بروديل ، فرناند ، قواعد الحضارات ، فلاماريون ، باريس ، 1993 ، ص . 25 .

(17 ) بروديل ، فرناند ، كتابات على التاريخ، فلاماريون ، باريس ، 1969 ، ص . 20

(18) كلافام ، كريستوفر Clapham, Christopher “أفريقيا و النظام الدولي . سياسات الدولة التي تصارع من اجل البقاء Africa and the International System. The politics of State Survival, Cambridge ، مطبعة جامعة كامبريدج ، كامبريدج ،1999 ، ص 4.

Poverty Reduction Strategy Papers (PRSP)

 

[*]  رابط المقال الاصلي

file:///C:/Users/Admin/Downloads/COM_Neoliberalism_subsaharan_ENG_jun08.pdf

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى